الغزالي
197
إحياء علوم الدين
أعداؤه ، فان أريد بالقبيح ما لا يوافق غرض الباري سبحانه فهو محال ، إذ لا غرض له ، فلا يتصور منه قبيح ، كما لا يتصور منه ظلم ، إذ لا يتصور منه التصرف في ملك الغير . وإن أريد بالقبيح ما لا يوافق غرض الغير فلم قلتم إن ذلك عليه محال ؟ وهل هذا إلا مجرد تشهي يشهد بخلافه ما قد فرضناه من مخاصمة أهل النار ؟ ثم الحكيم معناه العالم بحقائق الأشياء القادر على فعلها على وفق إرادته ، وهذا من أين يوجب رعاية الأصلح ، وأما الحكيم منا يراعي الأصلح نظرا لنفسه ليستفيد به في الدنيا ثناء وفي الآخرة ثوابا ، أو يدفع به عن نفسه آفة ، وكل ذلك على الله سبحانه وتعالى محال الأصل الثامن أن معرفة الله سبحانه وطاعته واجبة بإيجاب الله تعالى وشرعه ، لا بالعقل ، خلافا للمعتزلة لأن العقل وإن أوجب الطاعة فلا يخلو إما أن يوجبها لغير فائدة وهو محال ، فان العقل لا يوجب العبث ، وإما أن يوجبها لفائدة وغرض ، وذلك لا يخلو إما أن يرجع إلى المعبود وذلك محال في حقه تعالى ، فإنه يتقدس عن الأغراض والفوائد ، بل الكفر والإيمان والطاعة والعصيان في حقه تعالى سيّان . وإما أن يرجع ذلك إلى غرض العبد وهو أيضا محال لأنه لا غرض له في الحال ، بل يتعب به وينصرف عن الشهوات بسببه ، وليس في المآل إلا الثواب والعقاب . ومن أين يعلم أن الله تعالى يثيب على المعصية والطاعة ولا يعاقب عليهما مع أن الطاعة والمعصية في حقه يتساويان ، إذ ليس له إلى أحدهما ميل ولا به لأحدهما اختصاص وإنما عرف تمييز ذلك بالشرع ؟ ولقد ذل من أخذ هذا من المقايسة بين الخالق والمخلوق حيث يفرق بين الشكر والكفران لما له من الارتياح والاهتزاز والتلذذ بأحدهما دون الآخر فإن قيل : فإذا لم يجب النظر والمعرفة إلا بالشرع والشرع لا يستقر ما لم ينظر المكلف فيه ، فإذا قال المكلف للنبيّ : إن العقل ليس يوجب على النظر والشرع لا يثبت عندي إلا بالنظر ، ولست أقدم على النظر ، أدّى ذلك إلى إفحام الرسول صلَّى الله عليه وسلم قلنا : هذا يضاهي قول القائل للواقف في موضع من المواضع : إن وراءك سبعا ضاريا فإن لم تبرح عن المكان قتلك ، وإن التفتّ وراءك ونظرت عرفت صدقي . فيقول الواقف :